المحقق البحراني

110

الكشكول

أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت فيه . قال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ولا ظننت أن أحدا في الأرض يرمي مثل هذا الرمي ، أيرمي جعفر مثل رميك ؟ قال : نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما اللّه تعالى على نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها . قال : فلما سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولت واحمر وجهه وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيهة ثم رفع رأسه فقال : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟ فقال أبي : نحن كذلك ولكن اللّه جل جلاله اختصنا من مكنون سره وخالص علمه بما لم يختص به أحدا من غيرنا . فقال : أليس اللّه جل ثناؤه بعث محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلّم من شجرة عبد مناف كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم مبعوث إلى الناس كافة وذلك قوله تعالى : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية ، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء ؟ فقال : من قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ من اللّه أن يخصنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان ناجى أخاه عليا من دون أصحابه فأنزل اللّه بذلك قرآنا في قوله : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : سألت اللّه أن يجعلها اذنك يا علي ، فلذلك قال علي بن أبي طالب عليه السّلام بالكوفة : علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ألف باب من العلم ففتح لي من كل باب ألف باب ، رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من مكنون سره مما يخص أمير المؤمنين عليه السّلام أكرم الخلق عليه كما خص اللّه نبيه وأخاه عليا من مكنون سره وخالص علمه مما لم يخص به أحدا من قومه حتى صار إلينا فتوارثناه من دون أهلنا . فقال هشام بن عبد الملك : ان عليا كان يدعي علم الغيب واللّه لم يطلع على غيبه أحد ، فمن أين ادعى ذلك ؟ قال أبي : ان اللّه جل ذكره أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كتابا بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وفي قوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ وفي قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وفي قوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وأوحى اللّه إلى نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم أن لا يبقى في غيبه وسره ومكنون علمه شيئا لا يناجي به عليا ، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده ويتولى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : « حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنه مني وأنا منه له ما لي وعليه ما عليّ ، وهو قاضي ديني ومنجز